عبد الشافى محمد عبد اللطيف
215
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
وإذا جاءت الغنائم بعد ذلك فمرحبا بها وسهلا ، والمؤرخون المسلمون أنفسهم لم ينكروا أن بعض الجنود كانت تحركهم دوافع اقتصادية فقد قال البلاذري لما استنفر أبو بكر العرب ودعاهم للاشتراك في الدفاع عن العقيدة ضد المعتدين - الفرس والروم - قال : « فتسارع الناس إليه من بين محتسب وطامع » « 1 » والعبارة أوضح من أن تحتاج إلى تفسير . والخليفة العظيم رحب بالجميع ، المحتسب ؛ وهو الذي جاء مجاهدا في سبيل اللّه ، والطامع الذي جاء يبغي الغنيمة ، ولم يحظر على الطامعين الاشتراك في المعارك بل أكثر من هذا ؛ فإن الخلفاء كانوا يتجاوبون مع هذه التطلعات من البعض إلى الأعمال الدنيوية ، ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما فعله عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، مع قبيلة بجيلة ، عندما انتدبهم إلى الاشتراك في معركة القادسية في العراق ، وهم كانوا يودون الذهاب إلى الشام ، ولكن عمر قال لهم : بل العراق ؛ لأن الشام في كفاية ، ولما وجد منهم تباطؤا وعدهم بحافز مادي إضافي فوق نصيبهم الشرعي من الغنائم . كما يقول البلاذري « وكانت بجيلة ربع الناس يوم القادسية » « 2 » وكثير من القادة كانوا يحفزون جنودهم في المواقع ويحرضونهم على القتال بالحافز المادي ، فقد قال خالد بن الوليد لجنوده في العراق : « ألا ترون إلى الطعام كرفغ التراب ، وباللّه لو لم يلزمنا الجهاد في اللّه والدعاء إلى اللّه عزّ وجلّ ولم يكن إلا المعاش ؛ لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف ، ونكون أولى به ونولي الجوع والإقلال من تولاه ، ممن اثاقل عما أنتم عليه » « 3 » . بل أكثر من هذا كله ، يروي أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم قد قال في غزوة حنين ، وكان الموقف فيها صعبا وعصيبا - : « من قتل قتيلا فله سلبه » « 4 » ؛ لتحريض المسلمين على القتال بحافز مادي . فالحافز المادي إذن لم يكن مستبعدا ، لكنه لم يكن الهدف الأول من الفتوحات ، ولو كان الجوع هو السبب الأول الذي دفع العرب إلى هذه الفتوحات ؛ لكان يكفيهم منطقة صغيرة من الشام ، أو العراق ؛ لأن عدد الذين قاموا بالفتوحات ؛ كان بضع عشرات من الألوف ، ولم يكونوا في حاجة إلى فتح كل تلك البلاد
--> ( 1 ) البلاذري - فتوح البلدان ( ص 158 ) . ( 2 ) فتوح البلدان ( ص 328 ) . ( 3 ) تاريخ الطبري ( 3 / 354 ) . ( 4 ) مقاصد الشريعة الإسلامية للشيخ محمد الطاهر بن عاشور ( ص 29 ) ، وانظر الكامل في التاريخ لابن الأثير ( 2 / 265 ) .